زين العابدين والفرزدق

 

زين العابدين والفرزدق

 

إعداد : راشد الهاجري - Phoenix, Arizona

 

لما حج هشام بن عبد الملك في أيام خلافة أبيه، فطاف وجهد أن يصل إلى الحجر ليستلمه فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس، ومعه جماعة من أعيان أهل الشام

فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وكان من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً، فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم الحجر

فقال رجل من أهل الشام : من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة ؟

فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام، وكان الفرزدق حاضراً

فقال الفرزدق: أنا أعرفه

فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس ؟ فقال
 

وَالبَيْـتُ يعْرِفُـهُ وَالـحِـلُّ وَالـحَـرَمُ

هَذَا الّـذي تَعـرِفُ البَطْحـاءُ  وَطْأتَـهُ 

هَـذَا التّقـيّ النّقـيّ الطّاهِـرُ  العَـلَـمُ

هَـذَا ابـنُ خَيـرِ عِـبـادِ الله كُلّـهِـمُ

بِـجَـدّهِ أنْبِـيَـاءُ الله قَــدْ خُتِـمُـوا

هَذَا ابـنُ فَاطمَـةٍ ، إِنْ كُنْـتَ  جاهِلَـه

العُرْبُ تَعـرِفُ مـن أنكَـرْتَ وَالعَجَـمُ

وَلَيْسَ قَوْلُـكَ : مَـن هَـذَا ؟ بِضَائِـرِه

يُسْتَوْكَفـانِ ، وَلا يَعرُوهُـمـا عَــدَم

كِلْتـا يَدَيْـهِ غِيَـاثٌ عَــمَّ نَفعُهُـمَـا

  يَزِينُهُ اثنـانِ : حُسـنُ الخَلـقِ وَالشّيـمُ

سَهْـلُ الخَلِيقَـةِ ، لا تُخشـى  بَـوَادِرُهُ

حُلـوُ الشّمائـلِ ، تَحلُـو عنـدَهُ  نَعَـمُ

حَمّـالُ أثقـالِ أقـوَامٍ ، إذا افتُـدِحُـوا

 لَـوْلا التّشَـهّـدُ كـانَـتْ لاءَهُ نَـعَـمُ

ما قـال : لا قـطُّ ، إلاّ فِـي  تَشَهُّـدِهِ

عَنْهـا الغَياهِـبُ والإمْـلاقُ والـعَـدَمُ

عَـمَّ البَرِيّـةَ بالإحسـانِ ،  فانْقَشَعَـتْ

إلـى مَكَـارِمِ هَـذَا يَنْتَهِـي  الـكَـرَمُ

 إِذْ رَأتْــهُ قُـرَيْـشٌ قَــالَ قائِلُـهـا

فَـمَـا يُكَـلَّـمُ إلاّ حِـيـنَ يَبْـتَـسِـمُ

يُغْضِي حَياءً ، وَيُغضَـى مـن مَهابَتِـه

 من كَفّ أرْوَعَ ، فِـي عِرْنِينِـهِ  شمَـمُ

بِكَفّـهِ خَـيْـزُرَانٌ رِيـحُـهُ  عَـبِـقٌ

 رُكْـنُ الحَطِيـمِ إِذَا مَـا جَـاءَ  يَستَلِـمُ

يَكـادُ يُمْسِـكُـهُ عِـرْفـانَ  رَاحَـتِـهِ

 جَـرَى بِـذاكَ لَـهُ فِـي لَوْحِـهِ القَلَـمُ

الله شَـرّفَـهُ قِـدْمــاً ، وَعَـظّـمَـهُ

لأوّلِـيّـةِ هَــذَا ، أوْ لَــهُ نِـعــمُ

أيُّ الخَلائِـقِ لَيْسَـتْ فِــي رِقَابِـهِـمُ

 فالدِّينُ مِـن بَيـتِ هَـذَا نَالَـهُ  الأُمَـمُ

مَـن يَشكُـرِ الله يَشـكُـرْ أوّلِـيّـةَ  ذَا

عَنها الأكفُّ ، وعـن إدراكِهـا  القَـدَمُ

يُنمى إلى ذُرْوَةِ الدّيـنِ التـي قَصُـرَتْ

وَفَضْـلُ أُمّتِـهِ دانَـتْ لَــهُ الأُمَــمُ

مَـنْ جَـدُّهُ دان فَضْـلُ الأنْبِيـاءِ  لَـهُ

طَابَـتْ مَغارِسُـهُ والخِيـمُ  وَالشّـيَـمُ

مُشْتَقّـةٌ مِــنْ رَسُــولِ الله نَبْعَـتُـهُ

 كالشمس تَنجابُ عـن إشرَاقِهـا الظُّلَـمُ

يَنْشَقّ ثَوْبُ الدّجَى عـن نـورِ  غرّتِـهِ

 كُفْـرٌ، وَقُرْبُهُـمُ مَنجـىً  وَمُعتَـصَـمُ

من مَعشَـرٍ حُبُّهُـمْ دِيـنٌ ،  وَبُغْضُهُـمُ

فِي كـلّ بَـدْءٍ ، وَمَختـومٌ بـه  الكَلِـمُ

مُـقَـدَّمٌ بـعـد ذِكْــرِ الله ذِكْـرُهُـمُ

أوْ قيل من خيرُ أهل الأرْض؟ قيل  هـم

إنْ عُـدّ أهْـلُ التّقَـى كانـوا  أئِمّتَهـمْ

وَلا يُدانِيهِـمُ قَــوْمٌ ، وَإنْ  كَـرُمُـوا

لا يَستَطيـعُ جَـوَادٌ بَـعـدَ  جُـودِهِـمُ

وَالأُسدُ أُسدُ الشّرَى ، وَالبـأسُ  محتـدمُ

هُمُ الغُيُـوثُ ، إذا مـا أزْمَـةٌ  أزَمَـتْ

سِيّـانِ ذلـك : إن أثَـرَوْا وَإنْ عَدِمُـوا

لا يُنقِصُ العُسـرُ بَسطـاً مـن  أكُفّهِـمُ

وَيُسْتَـرَبّ بِـهِ الإحْـسَـانُ  وَالنِّـعَـمُ

يُستدْفَـعُ الشـرُّ وَالبَـلْـوَى  بحُبّـهِـمُ

فلما سمع هشام هذه القصيدة غضب وحبس الفرزدق، وأنفذ له زين العابدين اثني عشر ألف درهم
فردها وقال: مدحته لله تعالى لا للعطاء
فقال : إنَّا أهل بيت إذا وهبنا شيئاً لا نستعيده، فقبلها

 

المصدر : كتاب وفيات الأعيان وأنباء أهل الزمان

 

 
رئيس التحرير

 

الآراء المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المجلة