شموع الصابرين

 

شموع الصابرين
 
-
2-

 

أحمد العنيزي - Montreal, Canada

 

 

ها نحن نكمل ما ابتدأنا به من رحلة في رحاب أدبنا الزاخر وتراثنا العامر بتلك الشموع التي تنير للدعاة دربهم و تجلي عن المهمومين همهم وتسلي المكروبين عن كربهم وبلواهم . أجل هاهو الجزء الثاني من شموع الصابرين يأتي في وقت تتجرع فيه أمتنا كأس المذلة والهوان حتى لم يتبقى في الكأس قطرة ! أمة الإسلام التي سادت قرونا تنشر الخير والعدل في مشارق الأرض ومغاربها ، أمة القرآن التي كانت تهابها كبرى الدول وتخشاها أعتى الجيوش والأمم أضحت اليوم فريسة لكل باغي و طامع ، أمة المليار صار دم الفرد فيها أرخص من الماء !

 

في مثل هذه الظروف التي لا نملك فيها إلا حناجرنا الملتهبة من كثرة الشجب و شدة الإستنكار طيلة قرن مضى من الزمان ، في مثل هذه الظروف العصيبة نحن أحوج ما نحتاج إلى شموع تهون علينا مصابنا و تنير بصيص أمل بعزتنا ولو بدا هذا الأمل بعيدا . كيف لا يكون هناك الأمل والله سبحانه وتعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم ومن بعده أمته فردا فردا قائلا :

 

(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ )

ويخاطبنا نحن جميعا معاشر المؤمنين بقوله :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )


فبصبرنا وتلاحمنا وكفاحنا يتحقق الوعد الإلهي بالنصر والتمكين والفلاح في الدنيا والآخرة.
أجل ، رغم الجزع والخوف والألم الذي ينتاب أغلبنا عند تعرض الأمة لأي طعنة جديدة فإن لسان حالنا تعبر عنه الحكمة القائلة :

يا قلب صبرا أجد الخطب ام هزلا

ما تلك أول بؤس خيبت أملا

 

لقد تكالبت الجروح على أمتنا فصارت كالميت الذي ما لجرح به إيلام ! غير أن ماجرى للرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم من الألم والشدة ليفوق بمراحل ما ذقناه وما قد نذوقه عبر القرون والأزمان . ومع هذا ، ومن عمق المحنة تأتي البشارة من الرسول صلى الله عليه وسلم لمن آمنوا وأقرنوا إيمانهم بالصبر واليقين بأن لهم الغلبة والتمكين قائلا :

( والذي نفسي بيده ليفرجن الله ما ترون من الشدة ، و إني لأرجو ان أطوف بالبيت العتيق آمنا ، و أن يدفع الله إلي مفاتيح الكعبة ، وليهلكن الله كسرى و قيصر ، و لتنفقن كنوزهما في سبيل الله )

الله اكبر ! في عمق المحنة وعند اشتداد أذى وتضييق الكفار العرب ، وهم أضعف قوة على وجه المعمورة حين ذاك ، يعد الرسول أصحابه بملك فارس والروم ، أقوى قوى الأرض العظمى إذ ذاك وأشدها جبروتا وقوة عسكرية .
أجل ، ها هو الإمام الشافعي قد سأل عن أفضل حال للرجل ، أهي أن يبتلى أو أن يمكن ، فكان جوابه شمعة أمل لأمتنا المبتلاة بقوله :
لا يمكَّن حتى يبتلى فإن الله ابتلى نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، فلما صبروا مكنهم ، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة ‏.‏

هذا هو حال المؤمن ، صبر و يقين بالنصر والتمكين . أما من لبس ثوب اليأس و تسربل بالقنوط ، فنقول له ماقاله يعقوب عليه السلام لبنيه اليائسين :
(وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ).

يقول سيد قطب رحمه الله في ظلاله :


« والذي ييأس في الضرِّ من عون الله يفقد كل نافذة مضيئة، وكل نسمة رخيَّة، وكل رجاء في الفرج، ويستبد به الضيق، ويثقل على صدره الكرب، فيزيد هذا كله من وقع الكرب والبلاء... ألا إنه لا سبيل إلى احتمال البلاء إلا بالرجاء في نصر الله، ولا سبيل إلى الفرج إلا بالتوجه إلى الله، ولا سبيل إلى الاستعلاء على الضر، والكفاح للخلاص إلا بالاستعانة بالله، وكل حركة يائسة لا ثمرة لها ولا نتيجة إلا زيادة الكرب ومضاعفة
 الشعور به
»
 

فلله در الشاعر الذي قال :

 

يا صاحب الهم إن الهم منفرج

أبشر بخير فإن الفارج الله

اليأس يقطع أحيانا بصاحبه

لا تيأسن فإن الكافي الله

إذا بليت فثق بالله وارض به

إن الذي يكشف البلوى هو الله

الله يحدث بعد العسر ميسرة

لا تجزعن فإن الصانع الله

والله مالك غير الله من أحد

فحسبك الله في كل لك الله

 

ولله أيضا در إبراهيم النبهاني إذ  قال في فضل الصبر عند اشتداد البلاء :

 

تعزَّ فإن الصبر بالحر أجملُ

وليس على ريب الزمان معوَّلُ

فلو كان يغني أن يُرى المرء جزعا

لحادثة أو كان يغني التذللُ

لكان التعزي عند كل مصيبة

ونائبة بالحر أولى و أجمل

فكيف وكل ليس يعدو حِمامهُ

وما لامريء فيما قضى الله مزحلُ

 

أما علي بن الجهم فله في مواساة النفوس الجريحة أقوال ، فهو القائل في فضل الرجاء :

 

لا يؤيسنك من تفرج كربة

خطب أتاك به الزمان الأكمد

فلكل حال معقب ولربما

أجلى لك المكروه عما يحمد

كم من عليل قد تخطاه الردى

فنجا ومات طبيبه والعُوًّد

 

وهو القائل أيضا في الحث على الصبر عند اشتداد البلاء والكربات :

 

وعاقبة الصبر الجميل جميل

وأفضل أخلاق الرجال التفضل

ولا عار إن زالت عن الحر نعمة

ولكن عارا أن يزول التجمل

 

ختاما ، فإن النفوس البشرية مهما كانت أبية شديدة التحمل صامدة في وجه الخطوب فإنها قد تضعف يوما فتخور قوى الصبور الحليم . كيف لا ونوائب الزمان تدهمنا دهما ، وتطلبنا طلبا ! حين ذاك ، لا بد من شمعة أمل تضيء القلوب الخائرة والهمم المحبطة ، وهل نور يفوق نور شمعة الإيمان وتوهجها ؟ الإيمان هو اقوى أسلحة الصابرين وأشدها فتكا بالنوائب والخطوب .

 

وفي فضل الإيمان نثر الاديب المنفلوطي رائعته التي تقول :

 

الإيمان هو النجم الخافق الذي يلمع من حين إلى حين في سماء الليلة المظلمة المدلهمة ،فينير أرجائها ، وهو الدوحة الفيانة التي يلجأ إليها المسافر من حرور الصحراء وسمومها ، فيجد في ظلالها راحته وسكونه ، وهو الجرعة الباردة التي يظفر بها الظاميء الهيمان ، فينقع بها غلته ، ويفثا لوعته . وهو المطرة الشاملة التي تنزل بالأرض القاحلة ، فتهتز تربتها ، وتحيي مواتها ، وتبث في صميمها القوة والحياة .

 

 

 
رئيس التحرير

 

الآراء المنشورة تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر المجلة