رسالة إلى مغترب

رمضان بين أمريكا والكويت
إنها أول ليالي رمضان ،
لكن فجأة ودون سابق إنذار يرن هاتفك النقال بنغمة مزعجة مقلقة لنومك الذي لم يستمر
ساعة من زمان . يا للهول ، إنه بروذر جاويد وماذا عساه يريد ؟!
جاويد : السلاااام عليكم
بروذر
أنت (وتبدو على صوتك آثار
النوم والتعب) : وعليكم السلام والرحمة
جاويد: مبارك عليكم الشهر
الكريم الذي سيأتي ضيفاً عزيزاً بعد غدِ إن شاء الله
أنت : علينا وعليك ، جزاك
الله خير ......... لحظة لحظة ..... قلت بعد غدِ بروذر ؟!
جاويد : أجل أجل ولهذا
أنا متصل بك .... بحنكتي ودهائي وسرعة بدهيتي توقعت أنك ستصوم غداً اتباعاً لبلدك
نظراً لجهلك وقلة خبرتك كمغتربِ جديد!
أنت : وماعساي أن أفعل يا
أخا الباكستان ... أصوم الأسبوع القادم ؟؟
جاويد ( ضاحكاً ): لا
بروذر ليس هكذا ، كنت أعني أن تصوم بعد غدِ مع الجماعة حيث أن الهلال لم يرَ في
أمريكا الشمالية.
أنت (مندهشاً): لا حول
ولا قوة إلا بالله ، إذن سأصوم بعد غدِ والله المستعان.
تغلق الهاتف وفي قلبك ضيق
أنك لن تصوم غداً ولكنك استسلمت لقدر الله ونمت بقية ليلتك.
وفي الصباح الباكر ،
تستيقظ متأخرا كالعادة لتلبس ما شاء الله أن تلبس من الثياب الملقاة هنا وهناك.
تخرج مسرعاً لتلحق بأول حافلة متجهة إلى الجامعة . وقبل أن تركب ، تذهب إلى المقهى
الصغير قرب المحطة لتشرب قهوة الصباح مع قطعة من المعجنات الهلالية التي يسميها
الفرنجة "كرواسان". وأثناء ركوبك الحافلة تصادف زميلك حسان ....
أنت مستبشراً: السلام
عليكم حسان.
حسان ( باشمئزاز) : وعليك
السلام .... حسناً مازلت مسلماً يافتى ... لكن أينفع السلام وقد فرطت في فرض
الإسلام؟!
أنت تنظر مبهوتاً ودون
جواب ...
حسان بغضب واندفاع: كيف
تجاهر بالإفطار في أول يوم لرمضان ؟! أما تخاف الله رب العباد ... هل فسقت يا ...
أنت : ويحك يا أخا العرب
، أليست جماعة المسلمين في أمريكا صيامها غداً إن شاء الله ؟!
حسان: يا مسكين ، أما
علمت أن الجماعة في مدينتنا تصوم غدا ؟ ويحك ماعلمت أن غالبية مدينتنا الصغيرة
تتبع مسجد الشيخ عبدالرحمن الذي يرى الصيام يبدأ اليوم ؟؟
أنت (مندهشاً كالعادة ):
وماذا عن اتحاد المسلمين في أمريكا وبروذر جاويد ؟
حسان: اسمع ياعزيزي ، في
أمريكا عليك أن تتبع جماعة المسلمين في مدينتك لا في أمريكا كلها ، لأن هذا ضرب من
الخيال.
بحزن وأسى ، تلقي ماتبقى
بيدك من الإفطارالذي صيره القدر سحوراً متأخراً ظاناً بأن هذه نهاية المطاف مع
التناقضات.
يمضي يومك الدراسي بسلاسة
رغم الجوع والتعب ، تذهب لتصلي الظهر والعصر في مبنى الاتحاد ماراً بالمطاعم
والكافتيريات ... آه يا للذة عصير البرتقال ... وما أروع المياه الغازية عند
الإنهاك ... كم تشتهي تلك القهوة ... وكم تفتقد عصير الرمان .... أما الماء ... فما
أدراك ما الماء .. عصب الحياة !
تفطر بالنية خلال مختبر
الكيمياء ثم تخرج مستعجلاً ، تصلي المغرب قبل أذان العشاء ، وعند باب المسجد تجد
تميرات وضعها بعض المحسنين للمساكين أمثالك. تصلي العشاء في جماعة وبعدها تصلي
ماقدرك الله عليه من ركيعات تحيي بها سنة التراويح. تخرج من الجامعة منكسر النفس
والفؤاد ، فلا إفطار ولا مطعم يفتح في مثل هذه السويعات المتأخرات إلا مطعم للبيتزا
أو مايسمونه بالبرغر (نعوذ بالله من الخذلان) الذي تعودت أن تأكله صائما ومفطرا
فرحا وحزنا في كل المناسبات !
عزيزي .. لا يأس مع
الحياة ولا حياة مع اليأس ... قبل أن تأخذ سماعة الهاتف موقظاً أمك المسكينة
منفجراً بالبكاء على هذه الحال الكسيفة .. يأتيك فرجك من الله
! إنه أبوعبدالله ..
جارك وزميل غربتك الكبير ... جاءك ببقية من إفطار أم عبدالله وداعياً إياك لحضور
الإفطار الجماعي بعد أيام في المركز الإسلامي، فلله الحمد من قبل ومن بعد على ما
أنعم وتفضل.
رسمنا لكم صورة تقليدية
ليوم مغترب في رمضان ، فهل ماصورناه حقيقة أم من وحي الخيال ؟؟ لنقرأ إذن مايرويه
الطلبة بأنفسهم ونحكم على تجاربهم :
بدايةً ، تحدثنا مع
الطالب سليمان السعيد من مدينة Milwaukee, Wisconsin
حول تجربته الرمضانية في أمريكا التي كانت روتينيةً نوعاً ما. الأيام عند سليمان
كانت تمضي سريعاً مع هموم الدراسة والحياة فرمضان كان مجرد شهر مليء بالروتين مثله
مثل باقي الأشهر اللهم إلا في دمج الغداء والعشاء في وجبة واحدة.
سليمان، مثله مثل باقي
المغتربين يفتقد بشدة أجواء رمضان الكويتية المميزة حيث صلة الرحم و تجمعات الأهل
والأحباب على الإفطار وبعد التروايح في المجالس والدواوين والمنتديات. وبكل تأكيد ،
فإن سفرة الإفطار في الكويت هي حلم من الأحلام التي تراود سليمان و زملائه
المغتربين في رمضان لذا ، فسليمان يحب أن يفطر مع زملائه المغتربين كل نهاية إسبوع
حتى ينسى هذا الحلم ، ولو قليلاً.
لقائنا التالي كان مع
الطالب عبدالله الخدة من مدينة Kent, Ohio حيث كان يتشارك مع من سبقه بنفس الهموم والخواطر الرمضانية. فعبدالله كان في وسط
دوامة من هموم الحياة ومصاعبها حتى دخل عليه رمضان فجأةً وفي غفلة من الزمن لم تتح
له فرصة الإستعداد ولا التهيأ مادياً ولا حتى نفسياً لقدوم هذا الضيف الكريم.
عبدالله، مثل من سبقه ،
يفتقد الأجواء الرمضانية الحميمية على مائدة الإفطار و زيارات الأهل والأحباب، فما
كان منه إلا أن رتب جدول أيامه بزيارات و تجمعات يومية مع من جاوره من طلبة خليجيين
ومسلمين في فرصةٍ لعيش تجربة رمضانية جديدة مختلفة عن الكويت حيث يتعرف على عادات
المجتمعات الأخرى في رمضان وكيف تختلف طقوسهم على مائدة الإفطار و تجمعاتهم بعدها.
بالنسبة لعبدالله ، رمضان أمريكا ، إن اختلف عن الكويت ، فهو مميز وذو نكهة خاصة
نجزم انه سيفتقدها إذا ماعاد إلى أحضان الوطن.
-
رمضان كويتي في
أمريكا

ختام مشوارنا في هذا
التحقيق كان مع الطالب ميثم الحسيني من مدينة Milwaukee,
Wisconsin الذي اتفق مع من سبقه في افتقاد تجمعات الأهل
و التواصل معهم و الجو الرمضاني المختلف عن بقية أشهر السنة بإلتزام الناس بصيامهم
وعباداتهم و تراحمهم فيما بينهم و أخيراً، بسفرتهم المميزة بالأكل الكويتي الأصيل.
غير أن ميثم اختلف عمن سبقه باستعداداته النفسية والمادية قبيل رمضان. فميثم لا
ينسى شراء حاجيات رمضان المختلفة من تمر ولبن و رز وغيرها من اللوازم الخاصة لضمان
إفطار كويتي مميز في سفرة الغربة.
بالنسبة لميثم ، فهو يفطر لوحده أحياناً و مع مجموعة من
الشباب والأحباب في أحيانٍ أخرى حسب الظروف الحياتية المختلفة. ولكن الإفطار مع
الشباب بالنسبة له تعطي جواً مختلفاً ينسيه ولو قليلاً الأجواء الرمضانية
الكويتية التي يفتقدها.
بعد أن استعرضنا أجواء رمضان في الغربة و قرأنا عن تجارب
المغتربين الرمضانية بحلوها ومرها، كان لابد لنا من خاتمة لنوضح لكم ، معاشر
القراء ، الصورة كاملة. المغتربين بشكل عام والمغتربين للدراسة بشكل خاص تأخذ
هموم الحياة من وقتهم الشيء الكثير. فهم بين عملهم ودراستهم صباحاً إلى أعمالهم
المنزلية و إلتزاماتهم الدراسية بقية اليوم. بالطبع هناك وقت للراحة والهواية و
التواصل الإجتماعي ولكن هذا الوقت قطعاً ليس بالكثير كما هو الحال عندما يكون
الطالب في بلده وبين أهله وصحبه. و حتى إن كثر الوقت، فمن يجيء لك بمثل أحبابك
وخلانك و أهلك و أصحابك في وطنك ومسقط رأسك. في الغربة ضغوط نفسية كثيرة تزداد
كلما مرت مناسبة اجتماعية مميزة في بلادنا كشهر رمضان المبارك. في مثل تلك
المناسبات، ينظر المغترب يمنةً ويسرة فلا يجد من المظاهر المميزة إلا القليل
والزهيد.
ولكن ، دعونا ننظر إلى النصف الممتليء من الكأس فإن فيه
من الخير الكثير. في أمريكا، الكثير من المسلمين الخليجيين والعرب وغيرهم فما
أحلى أن يختلط بهم المغترب فيفطر معهم ويحضر مجالسهم ويعمق علاقاته معهم. فإن
كان في الكويت يصل رحمه الأقربين ، فهو في امريكا يصل دائرة ابعد ... أخوة
الدين والعقيدة والإنسانية. وفوق هذا، فهو يتعرف ويستكشف ثقافات جديدة وآفاق
رحبة ماكان له أن يجدها لو لم يغترب. و الأهم من هذا وذاك، فإن هو صبر واحتسب
الأجر عند الله فله من الأجر الشيء الكثير. ويا للذة القلوب والأفئدة بركيعات
تقربك إلى الله ، ومن أقرب إلى ربه من الصابر المحتسب الذي يقيم شعائر الله في أرض
نائية بعيدة عن دار الإسلام مليئةٍ بالكفر والفجور والعصيان؟! فطوبى لك يامن
اتقيت الله وصمت هذا الشهر ، رغم أنه لن يدري بك أحد ان افطرت ، وصليت ، رغم أن
لن يستنكر تركك للصلاة أحد ، وصبرت واحتسبت ، رغم أنه لن يلومك أحد إن ضجرت
وقنطت. وتقبل الله طاعتكم.
|